
يلتقي مساء اليوم بتوقيت الدنمارك الرئيس الأوكراني زيلينسكي مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب.
وهذا الاجتماع بين ترامب وزيلينسكي تخشاه ميتا، رئيسة وزراء الدنمارك، بل ويصيبها بالتوتر ودوار البحر وهي داخل مسكنها في كوبنهاجن العاصمة.
السبب هو أن هناك وعودًا “ترامبية” بوضع حد ونهاية للحرب الروسية الأوكرانية المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات.
لكن وعود ترامب ليست مجانية، بل إن لها تبعات خطيرة جدًا وحاسمة على مستقبل القارة الأوروبية جمعاء.
طبعًا أنا ذكرت أن اللقاء سيكون بين ترامب وزيلينسكي، لكن اللقاء سيشمل عددًا من قادة الدول الأوروبية الذين لم يكونوا مدعوين في البداية، لكن يبدو أن ترامب غيّر رأيه وسمح لهم بالحضور.
مع العلم أن هناك قاعدة اجتماعية تقول: إذا دُعيت متأخرًا لمناسبة ما فلا تذهب، فمن يريد حضورك يوجه لك الدعوة بشكل مبكر ولا يجلسك على دكّة البدلاء..!
خطة السلام المثيرة للجدل
المهم يا الحبيب نعود إلى بطلتنا الباسقة، السيدة ميتا رئيسة وزراء الدنمارك، وعن خوفها وترددها الذي أفصحت عنه في أكثر من مناسبة خلال الأيام الماضية.
فخوف السيدة ميتا يتمثل في خشيتها من أن يفرض ترامب خلال هذه الفترة ضغوطًا على أوكرانيا، ويطالبها بقبول خطة السلام بالإكراه.
وخطة السلام هذه تنص بالمختصر – كما طلب بوتين – على أن تتنازل أوكرانيا عن الأراضي الأوكرانية التي استولت عليها قوات بوتين،
ونحن نتحدث عن المناطق الشرقية من دونيتسك ولوغانسك، وكذلك الاعتراف بالسيطرة الروسية الكاملة على شبه جزيرة القرم.
يعني نتكلم عن مطالب إقليمية من بوتين وأن يرضخ زيلينسكي صاغرًا.
تخشى ميتا أن يكون هذا الاجتماع هو الفرصة الأخيرة لأوروبا لممارسة ضغط حاسم على ترامب وبوتين،
لكنها تشكك في هذا الضغط، خصوصًا بعد أن صرّح ترامب يوم الجمعة الماضي بعد لقائه ببوتين أنه يتجه لإنهاء الحرب بشكل ثنائي مع روسيا.
مخاوف أوروبا بعد الاجتماع
اليوم، إذا حصلت روسيا على تنازلات إقليمية من أوكرانيا رغم مشاركة الأوروبيين في الاجتماع،
فهذا معناه أن أوروبا وضعت نفسها في مشكلة كبيرة وهائلة،
ومعناه كذلك أن روسيا انتصرت في الحرب ووسّعت رقعتها جغرافيًا،
وستعمل من الثانية الأولى على “رَوسَنة” هذه المناطق وتثبيت هويتها فيها.
طيب، أين الخطر الذي تخشاه ميتا ورفقاؤها إذا انتهت الحرب؟
سؤال وجيه ومنطقي.
الجواب يكمن في أن كل دول القارة الأوروبية – عدا بعض الدول الهامشية – يرون في روسيا تهديدًا جديًا.
فهي من وجهة نظرهم دولة فاشية توتاليتارية ذات أطماع إمبريالية واضحة،
دولة ارتكبت الجرائم في حربها مع أوكرانيا ولا زالت تعاني من هوس وطني دموي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
وأوروبا متيقنة أن روسيا لن تكتفي بقضم أجزاء من أوكرانيا، بل لها طموحات توسعية إقليمية أخرى.
ويتوقع أن تكون مناطق مثل أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في جورجيا هي الهدف التالي لبوتين وقواته بعد أن تستعيد روسيا عافيتها وتضمد جراحها من الحرب الأوكرانية.
صحيح أنه يُحظر في روسيا التطرق إلى أعداد القتلى في الحرب مع أوكرانيا، لكن يُتوقع أنها تجاوزت المئة ألف على أقل تقدير.
وهذا معناه أن أمام روسيا وقتًا لتستعد لأي عملية عسكرية قادمة، لكن النية موجودة.
هذا يمكن أن يكون السبب الأول.
أما السبب الثاني فإن ميتا ورفقاءها الأوروبيين يرون أن كل استثماراتهم العسكرية في الحرب لصد بوتين وكسره ستذهب أدراج الرياح.
ونحن هنا نتكلم عن الاستثمار العسكري فقط، وليس عن الخسائر الاقتصادية التي تحملتها الدول الأوروبية من توقف الغاز واستيراد المعادن الثمينة اضافة الى المحاصيل الزراعية المهمة.
والأهم أن العقوبات سترفع عن بوتين، وسيستعيد عافيته من جديد، ويكون أقوى مما كان قبل الحرب.
أوروبا استهانت بقدراتها ففقدت هيبتها
المشكلة التي وضعت أوروبا نفسها فيها هي أنها سمحت لترامب أن يركلها خارج الحلبة، واستمر هو بالتفاوض مع بوتين.
كان من الأجدر بأوروبا أن تكون لها كلمة حاسمة منذ البداية، وألا توافق على كل ما طلبه ترامب منها.
فهو مثلًا طالبها أن تنفق 5% من ناتجها القومي على الدفاع… فوافقت.
وطالب منها أن تدفع جميع تكاليف شحنات الأسلحة الأمريكية إلى أوكرانيا… فوافقت.
ثم بعد ذلك كله فرض عليها رسومًا جمركية بـ 15٪…ووافقت كما توافق المخطوبة على خطيبها بخجل!
أوروبا يجب أن تضع حدًا لطلبات ترامب، ويجب أن يكون اجتماع ترامب وزيلينسكي هو حلقة النهاية.
وعليها أن تُفهم ترامب أن أوروبا لن توافق من اليوم على كل ما يطلبه،
وأن يكون لها رأيها الحاسم، وأن تتخلص من التبعية المذلة له
لكن من يسمعك ياعزيزي ياعمر..
أقول قولي هذا كتحليل شخصي لما تابعته من أحداث في الفترة الأخيرة.
والسلام علينا أولًا، ومن ثم عليكم.
الباحث والمهتم بالشأن الدنماركي – عمر المختار



